يوسف المرعشلي

192

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

القضايا العلمية ، ولا مع طبيب في بحث تشريحي أو فزيولوجي ، ولا مع متخصص في علم النفس . وقد آتاه اللّه في جلسات نقاشه هيمنة على المجلس عجيبة . كان كما ذكر العلماء يجتذب إليه جلساءه بشكل عجيب في روح مداعبة لطيفة ، وأثنى عليه الكثيرون ، وذكروا عنه قصصا غريبة جدا ، وحكايات عجيبة تدلّ على ولايته ، وللناس من معاصريه فيه اعتقاد كبير . قال عنه الدكتور مصطفى السباعي : « . . . هذا الطراز من الرجال الذين يحيون القلوب ، وينعشون الأرواح ، ويلتزمون حدود الشريعة ، ويبتعدون عن استغلال التصوف لجمع المال والشهرة . . . وكان من قوة الروح بحيث أصبح منارا للمهتدين ، ومرشدا للضالين ، وقد أنقذ بهدايته وروحانيته عددا من أبناء البيوت المعروفة في دمشق ، ممن كانوا ينغمسون في الترف واللهو ، فأصبحوا بعد ذلك من كرام الناس دينا وأخلاقا واستقامة ، وبذلك أحبّوه الحب الخالص للّه ، فلزموا مجالسه ، واستفادوا من أخلاقه ومواعظه واعتبروه الأب الروحي لهم ، كما أنقذ كثيرا من الضالين وقطاع الطرق والمجرمين فهداهم بفضل اللّه إلى الإيمان والتقوى . . وكان مما حبّبه إليّ تواضعه ، وحسن خلقه ، وتهربه من الشهرة ، وتزهّده في الدنيا مع إقبالها عليه ، وسخاؤه الذي لا أعتقد أن له فيه مثيلا ، أو قريبا منه ، وفهمه للإسلام فهما صحيحا ، صافيا ، وإدراكه لمشكلات الحياة التي يحياها المسلمون اليوم . . . وكنت كلما شعرت بظمأ روحي إلى كلام الربانيين وهدايتهم ، أذهب إليه فأملأ روحي من هدي كلامه ، وأملأ عقلي مما أفاض اللّه عليه في آخر عمره من فهم لمختلف العلوم ، بحيث استطاع أن يصنف فيها عشرات المجلدات التي ستظل أبدا ودائما ناطقة بعظمة هذا الرجل وربانيته واستعداده الروحي والعقلي ، حتى كان كبار العلماء يعترفون له بذلك . . . فكان وهو طريح الفراش يناقش ويتكلم ، ويحضر بعض كتبه لنرى رأينا فيها مع استمراره على عادته في البشاشة والدعابة التي عرف بها . . . » . وقال الشيخ حسن مأمون ؛ مفتي مصر وشيخ الأزهر بعد أن اطلع على شرح المترجم لكتاب « ما لا يعول عليه » لابن عربي : « أشعر وكأنني في حضرة الإمام الغزالي » . أرسل إليه مفتي بغداد الشيخ قاسم القيسي أسئلة عن التوحيد والتصوف فأجابه إجابة أدهشته ، ولما زاره في دمشق قال : « يا حارون ، إنّا بك حائرون » . وأضاف ما معناه : أن الأجوبة التي أرسلتها إليّ تحيّر العقول ، ذلك أنها أجوبة العلم الوهبي قبل الكسبي . وقال مفتي بغداد كذلك في جلسة له بزاوية أبي الشامات في حي القنوات : « لقد زرت اليوم رجلا عارفا كبيرا ، وسمعت عن الصوفية الشيء الكثير ، وخرجت من الدار بعد أن فهمت أنه يتكلم بلسان الصوفية كلسان العارفين باللّه تعالى » . قال الشيخ ياسين الموقت من صوفيي حلب : « إن الشيخ أحمد كان أكبر عارف في وقته » . وقال الشيخ محمد سعيد البرهاني : « إن الشيخ أحمد لا يجود الزمن بمثله إلا مرة في كل مئة عام ، سيرا على سنة النبي العظيم « القائل : إن اللّه ليبعث على رأس كل مئة سنة من يجدّد لهذه الأمة المحمدية أمر دينها » . وقال الشيخ الصوفي يحيى الصباغ : « إن مثلنا مع الشيخ أحمد كمثل الجند بالنسبة للقائد الكبير » . قال الشيخ الصوفي محمد أمين الزعبي : « إن الشيخ أحمد الحارون قد كان شيخ الأبدال بعد المحدث الأكبر المرحوم الشيخ بدر الدين الحسني ، والمرحوم الشيخ سليم المسوتي ، والمرحوم الشيخ سعيد الحبال » . كان للمترجم كرامات يحدث بها من يحضر إليه ولو لمرة واحدة وكان الناس يتناقلونها ، أما هو فكان يقول مستشهدا بقول كبار الصوفيين : « إن الكرامات كالدمى توضع بين يدي الأطفال ، ولا قيمة في ديننا إلا للقرآن والحديث » ، « كرامتان ليس بعدهما كرامة : الإيمان والاستقامة ، فإذا وجدتم رجلا مستقيما فلا تطلبوا منه كرامة » ويقول : « إن الكرامات يخجل الولي منها كما تخجل المرأة في طمثها » ، « إذا رأيتم من شخص كرامات خارقة وكان سيره يخالف الشريعة فاضربوا به وبكراماته عرض الحائط » . حدث الدكتور أمين شيخ بكري من حلب ؛ أحد أساتذة الجامعة قال : « أكثر أحد أصدقائي من ذكر الشيخ الحارون ، وذكر كراماته وعلمه حتى ضقت به ،